مدينة الأخدود الأثرية

 


 تنتاب الـزائر عند بوابة مدينة الأخـدود الأثريه رعشـة خوف تسري في أطراف جسده، ويجد نفسـه بلا إرادة يقــدم رجلاً ويؤخـر أخـرى، عـنـدما يخـالجـه شـــعور طـاغ وكأنه يشـــتم رائحـة شـياط اللحم البشـري المحروق في هذا المكان الذي شهد أول محرقة في التاريخ البشري.

 

الملاحظ أن الصخور هنا مهيبة ضخمة، ومقصوصة بعناية بعضها يحمل رسوماً ظاهرة ونقوشاً بأحرف كبيرة كأنها تستصرخ القادم للتوقف وفك رموزها لسماع حكايتها المؤلمة.


تنتشر أشجار الأراك في هذا المكان بشكل يثير الدهشة والتساؤل، وهي تمتد لعشرات الأمتار على الأرض كأنها تحاول إن تخفي جـزءً من بشاعة المذبحة تحت غصونها المتشابكة وأوراقها شديدة الاخضرار, لكنها تعكس ذكرى النار الموقدة في ثمارها الشديدة الاحمرار المعلقة على أغصانها وكأنها شواظ من جمر ملتهب، تُذكر القادم بقصة أخدود النار.


تقع مدينة الأخدود الأثرية في الضفة الجنوبية لوادي نجران بين قرية القابل من الشمال وجبال السوداء والحمر من الجنوب، والموقع يتمثل في مدينة مركزية يحيط بها سور بطول 235 متر وعرض 220 متر، وتتكون آثار الأخدود من مساحة ضخمة تحتوي على اتساع هائل من الأطلال والرسوم التي بليت بتأثير عوامل التعرية والتقلبات الجوية.

 

كان لمدينة الأخدود أسوار عديدة تحيط بها من جميع الجوانب والاتجاهات وبوابات ضخمة بنيت من الحجارة الكبيرة، كما تبدو جدران ضخمة لقصور هائلة البناء كانت فيما يبدو قصورا للقادة والأمراء، نقشت على الجدران والحجارة بعض الحروف والكتابات الحميرية بالخط المسند مع بعض النقوش الأخرى لبعض الحيوانات ورسومات تعبر عن بيئة سكان المنطقة.


جميع أنواع النقوش والرسوم الموجودة في آثار الأخدود محفورة ومنقوشة بطريقة الحفر الغائر على الحجارة وجدران القصور وهي طريقة عرفت عند معظم الحضارات مثل الحضارة الفرعونية.


تنتشر على ارض الأخدود قطع الفخار والآجر وتكثر فيها الحفائر مما يعتقد بوجود صناعات فخارية لدى سكان المنطقة قديماً، ومن معالم المنطقة (حجر رحى) ضخم قطره متران وارتفاعه متران بيضاء وحمراء تتوهج في أشعة الشمس ولعله كان يستخدم لاستخراج الزيوت أو طحن الغلال، وتوجد بئر مثمنة الأضلاع مطمورة، وهـذا يدل على مدى ما كان للإنسان داخل هذه المدينة الأثرية من فكر عميق وحس هندسي جعله ينفذ هذه البئر بدقة وإتقان.


سميت الأخدود بذلك الاسم نسبة إلى الحفرة التي أمر الملك الحميري ( ذو نواس ) في عام 525 من الميلاد، بحفرها وتجميع الحطب بها واحرق كل من اعتنق " المسـيحية " التي كانت ديانة جديدة في ذلك الوقت، والذي أصبحت به قصة الأخدود عبرة سجلها القرآن الكريم في سورة البروج حيث يقول الله عز وجل :-

 

{ وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (١) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (٢) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (٣) قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ (٤) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (٥) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (٦) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (٧) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (٨) } ,, الآية ,,  صدق الله العظيم.


تتوالى الاكتشافات الجديدة لأثار الأخدود من الأثريات والأواني الفخارية وأدوات الزينة والعملات ومعها بعض أسرار {مدينة احرق ملكها سكانها}  قبل أكثر من (1500) عام عقاباً على اعتناقهم الديانة المسيحية، وللآن تروي تلك  الأطـلال والمباني قصة أصحاب الأخدود.


المؤكد إن ما سوف يراه الزائر لهذا المكان يمثل أقل من واحد في المائة مما هو مطمور تحت الأرض وتحت أشجار الأراك المتشابكة، وهي أوابد مطمورة تحتاج إلى سلسلة طويلة من أعمال التنقيب والحفر لكشف فصول غامضة من تاريخ هذه المنطقة، الذي يبدو جلياً إن المعروف منه حتى الآن لا يتجاوز العنوان.


 مدينة الأخدود الأثرية تستقبل يومياً العديد من الزوار المواطنين والأجانب من داخل المملكة وخارجها ولا يزال يكتنفها الاسرار والغموض رغم عمليات التنقيب والحفر المتواصل لسنوات متتالية.